gocorporation
download
التعليق على القواعد الحسان المتعلقة بتفسير القرآن - 10
235
عناصر المادة:

طالب:

القاعدة الحادية والستون

معرفة الأوقات وضبطها حث الله عليه، حيث يترتب عليه حكم عام أو حكم خاصوذلك أن الله رتَّب كثيرًا من الأحكام العامة والخاصة على مُدد وأزمنة، تتوقف الأحكام عملًا وتنفيذًا على ضبط تلك المدة وإحصائها؛ قال تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة: ١٨٩].فقولُه: مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِيدخل فيه مواقيت الصلوات والصيام والزكاة؛ وخص الحج بالذكر لكثرة ما يترتب عليه من الأوقات الخاصة والعامة، وكذلك مواقيت للعِدد والديون والإجارات وغيرها.وقال تعالى لَما ذكر العِدة: وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ [الطلاق: ١]، وقوله في الصيام: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة: ١٨٤]، وقال تعالى: إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء: ١٠٣]، وقال تعالى: بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا [الكهف: ١٢].طالب آخر: موقوتًا مفعول (...)؟الشيخ: موقوتًا مؤقتًا، الكتاب هو اللي المفعول.الطالب: وذلك لمعرفة قدرة الله في إفاقتهم، فلو استمروا على نومهم لم يحصُل الاطلاع على شيء من ذلك من قصتهم، فمتى ترتب على ضبط الحساب وإحصاء المدة مصلحة في الدين أو في الدنيا، كان مما حثَّ وأرشد إليه القرآن.ويقارب هذا قوله تعالى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَاالآية [البقرة: ٢٥٩]، وقوله: لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ [يونس: ٥]، ونحوها من الآيات.الشيخ: وفي ضبط الأمور والأوقات مصلحة عظيمة أيضًا سوى ما ذكره المؤلف؛ وهي أن الإنسان لا ينفرط عليه وقته؛ لأن الإنسان إذا أطلق نفسه وأهملها انفرط عليه الوقت، لكن إذا رتَّب وقته حفظ وقته وضبطه ولم يضع عليه منه شيء، مثلًا يقول الصبح: إذا صليت الفجر رتبت نفسي ففعلت كذا وكذا، وبعد طلوع الشمس أفعل كذا وكذا، في اليوم الفلاني أفعل كذا وكذا، في اليوم الفلاني أفعل كذا وكذا. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَى اللهِ أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ» ، حتى لا يصير الإنسان منفرطًا في شغله فيضيع عليه الوقت.وقد بيَّن الله تعالى في القرآن أن ضياع الوقت من حال من أغفل الله ذكره عن قلبه وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف: ٢٨].فالذي ينبغي لك أيها الإنسان أن تربط وقتك وتجعل كل وقت له عمل معين حتى لا تتداخل الأعمال ولا يضيع عليك الوقت بلا فائدة، وذكر المؤلف رحمه الله أمثلة من هذا تدل على ضبط الوقت وعلى حفظه وحمايته.

***

طالب:

القاعدة الثانية والستونالصبر أكبر عون على كل الأمور، والإحاطة بالشيء علمًا وخبرًا هو الذي يعين على الصبر

وهذه القاعدة عظيمة النفع، قد دلَّ القرآن عليها صريحًا وظاهرًا في أماكن كثيرةالشيخ: ما الفرق بين الصريح والظاهر؟الصريح: هو الذي لا يحتمل إلا معنًى واحدًا.والظاهر: هو الذي يحتمل معنيين؛ أحدهما أظهر. والْمُجْمَل: يحتمل معنيين لا يتميز أحدهما بالظهور عن الآخر. الألفاظ ثلاثة أقسام : صريح وظاهر ومجمل، فقوله: صريحًا وظاهرًا يعني صريحًا لا يحتمل إلا معنًى واحدًا، وظاهر يحتمل معنيين، هو في أحدهما أرجح.

***

الطالب: قال تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ [البقرة: ٤٥]، أي: استعينوا على جميع المطالب، في جميع شؤونكم بالصبر، فإن بالصبر يسهل على العبد القيام بوظيفة الطاعات، وأداء حقوق الله وحقوق عباده. وبالصبر يسهل عليه ترك ما تهواه نفسه من المحرَّمات؛ فينهاها عن هواها حذر شقاها، وطلبًا لرضا مولاها. وبالصبر تخف عليه الكريهات.ولكن هذا الصبر وسيلته وآلته التي ينبني عليها، ولا يمكن وجوده بدونها، هو معرفة الشيء المصبور عليه، وما فيه من الفضائل وما يترتب عليه من الثمرات.فمتى عرف العبد ما في الطاعات من صلاح القلوب وزيادة الإيمان، واستكمال الفضائل، وما تثمره من الخيرات والكرامات، وما في المحرَّمات من الضرر والرذائل، وما توجبه من العقوبات المتنوعة، وعلم ما في أقدار الله من البركة، وما لمن قام بوظيفته فيها من الأجور؛ هان عليه الصبر على جميع ذلك. وبهذا يعلم فضل العلم، وأنه أصل الفضائل كلها. ولهذا كثيرًا يذكر في كتابه أن المنحرفين في الأبواب الثلاثة إنما ذلك لقصور علمهم، وعدم إحاطتهم التامة بها.وقال: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر: ٢٨].وقال: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ [النساء: ١٧].ليس معناها أنهم لا يعترفون أنها ذنوب وسوء، وإنما قصُر عِلمهم وخبرتهم، بما توجبه الذنوب من العقوبات وأنواع المضرَّات وإزالة المنافع.وقال تعالى مبينًا أنه متقرر أن الذي لا يعرف ما يحتوي عليه الشيء يتعذر عليه الصبر؛ فقال عن الخضر لما قال له موسى وطلب منه أن يتبعه ليتعلم مما علمه الله؛ قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا [الكهف: ٦٧، ٦٨]، فعدم إحاطته به خُبرًا يمتنع معه الصبر، ولو تجلَّد ما تجلد فلا بد أن يُعَال صبره.وقال تعالى مبينًا عظمة القرآن وما هو عليه من الجلالة والصدق الكامل: بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ [يونس: ٣٩].فأبان أن الأعداء المكذبين به إنما تكذيبهم به لعدم إحاطتهم بما هو عليه، وأنهم لو أدركوه كما هو لألجأهم واضطرهم إلى التصديق والإذعان، فهم وإن كانت الحُجَّة قد قامت عليهم ولكنهم لم يفقهوه الفقه الذي يطابق معناه، ولم يعرفوه حق معرفته.وقال في حق المعاندين الذين بان لهم علمه وخبروا صدقه: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل: ١٤]، وقال تعالى: فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام: ٣٣].والمقصود أن الله أرشد العباد إلى الاستعانة على أمورهم بملازمة الصبر، وأرشدهم إلى تحصيل الصبر بالنظر إلى الأمور، ومعرفة حقائقها، وما فيها من الفضائل أو الرذائل. والله أعلم.الشيخ: المؤلف -رحمه الله- يقول، ذكر هذه القاعدة تشتمل على أمرين:الأمر الأول: أن الصبر أكبر عون على الأمور، فإن الإنسان إذا صبر على الشيء وصابر عليه كان ذلك عونًا له على إدراكه.ويُذكر أنَّ الكسائي -وهو إمام الكوفيين في النحو- صار يتعلَّم النحو فعجز عنه؛ ما عرفه، وفي يومٍ من الأيام رأى نملة (...) يحمل تمرة أو نواة ليصعد بها من الجدار، فكلما صعد بهذه التمرة ثقُلت عليه ثم سقط وياها إلى الأرض، وهكذا عدة مرات حتى صعدت بها، فقال: هذه صابرت هذا الصبر حتى حصل لها مقصودها في غذاء جسمي بدني؛ فلماذا لا أصبر حتى أنال مقصودي في تعلُّم النحو؟ فصار يتعلم حتى صار إمامًا في النحو.وهكذا ينبغي للإنسان -طالب العلم- أن يصبر على طلب العلم، وألا ييئس، لا يقول: والله هذا صعب علي، هو يصعب عليك في أول مرة لكن يسهل عليك، ثم تبدأ تقرأ الشيء وكأنه مشروح لك من قبل، ولكن يحتاج إلى الصبر على الشيء، ثم هذا الصبر يحتاج إلى ما يعين عليه. ما الذي يعينك على الصبر؟الذي يُعينك على الصبر: معرفة ما للمصبور عليه أو للمصبور عنه من النتائج؛ فإن كان مطلوبًا حصوله فاعلم ما يترتب عليه من الثمرات والمنافع والمصالح، وإن كان مطلوبًا تركه فاعلم ما يترتب على فعله من الشرور والسيئات، هذا يعينك على أيش؟ الصبر.كذلك مما يُعينك على الصبر في طلب أو في إدراك المطلوبات أن تقول لنفسك: أنتِ الآن قطعتِ شوطًا بعيدًا للوصول إلى غاية، ورجوعك من أثناء الطريق معناه: إضاعة الوقت وخسارة ما اكتسبت، بعض الناس مثلًا (...) ألفية ابن مالك، فإذا انتصف بها قال والله هذا صعب لكن عليه أن يصبر، عندي سنة وثلاثة أشهر في نصفها. معناه أنه بيكمل نصفها في كم؟طالب: (...).الشيخ: لا؛ في ثلاث سنين وأكثر؛ لأن النصف الثاني يضاف إليه النصف الأول لتداركه.إذن اتركها يا ولد ما له لزوم، ماذا حصل؟ ضيَّع عليه الفرصة، الماضي كله ضاع. فهذا أيضًا مما يعين على الصبر: معرفة المصبور عليه، وما يترتب عليه من نتائج والعواقب.والثاني: معرفة أنه إذا تخلَّى عن الصبر أضاع على نفسه شيئًا كثيرًا اكتسبه، وهذا كأنه سفه.أما الأمر الثالث -مما يعين على الصبر- فهو أن يرجو الإنسان بصبره ثواب الله عز وجل؛ فإن الله يقول: اصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال: ٤٦]، ويقول: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر: ١٠].فإذا عرف ما في الصبر نفسه بقطع النظر عن المصبور عليه من الثواب والكرامة؛ فإنه يستمر على صبره ويتحمل.رابعًا -مما يعين على الصبر- أن الإنسان إذا صبر على الشيء صار هذا الشيء كأنه غريزة في نفسه، حتى إنه ليتخلَّى إذا فقده.وانظر نفسك أيها الطالب في أول السنة الدراسية أول ما تأتي؛ يوم، يومين، ثلاثة تجد نفسك متعبًا، مالًّا من طول الدروس، فإذا تمرَّنت عليها سهُل عليك وهان، حتى إنك تفقد الدروس عند حلول الإجابة، وهذا شيء يُشاهَد.فمثل هذه الأمور تعين الإنسان على الصبر والتحمل وعدم النكوص على العقبين، وأن يستمر على ما هو عليه.وقد رُوي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: من بورك له في شيء فليلزمه . وهذه كلمة عظيمة: من بورك له في شيء فليلزمه، ولا تجد كل يوم تستدرك رأيًا ونظرًا فإن هذا يذهب عليك الوقت.

***

طالب:

القاعدة الثالثة والستون

يُرشد القرآن إلى أن العبرة بحسن حال الإنسان إيمانه وعمله الصالح، وأن الاستدلال على ذلك بالدعاوى المجردة أو بإعطاء الله للعبد من الدنيا أو بالرياسات؛ كل ذلك من طرق المنحرفين

والقرآن يكاد أن يكون أكثره تفصيلًا لهذه القاعدة؛ وقد قال تعالى: وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا [سبأ: ٣٧].وقال تعالى: يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء: ٨٨، ٨٩].وقد أكثر الله من هذا المعنى في عدة آيات.وأما حكاية المعنى الآخر عن المنحرفين؛ فقال عن اليهود والنصارى: وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [البقرة: ١١١].ثم ذكر البرهان الذي من أتى به فهو المستحق للجنة؛ فقال: بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة: ١١٢].وقال تعالى: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ [النساء: ١٢٣] الآياتِ. وقال تعالى: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا [مريم: ٧٣]. وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١]، ونحوها من الآيات التي يستدل بها الكفار على حُسن حالهم، بتفوقهم في الأمور الدنيوية والرياسات، ويذمون المؤمنين ويستدلون على بطلان دينهم بنقصهم في هذه الأمور. وهذا من أكبر مواضع الفتن.الشيخ: هذه الأشياء هنا ثلاثة أمور؛ الأمر الأول: إيمان الإنسان وعمله الصالح؛ وهذا هو المقياس للرجل، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ» .هذا هو المقياس الأول؛ إذا كان مؤمنًا عاملًا بالصالحات؛ فهذا هو الدليل على كمال حاله وحُسن حاله.الثاني: دعاوى مجردة يدَّعيها الإنسان لنفسه؛ وهي بعيدة عن الإيمان بالله واليوم الآخر، فهذه لا تدل على كمال حاله وحُسن حاله؛ لأن كل إنسان يستطيع أن يدَّعي الكمال، لكن إذا نظرنا إلى حاله وإذا هو مفارق للكمال ما نقبل منه.ومن هذا دعاوي أولياء الشياطين أنهم أولياء الله وأحباء الله، مثل ما يدَّعي أولئك المخرِّفون، الذين يدعون الولاية لأنفسهم بأنهم أولياء ليجذبوا الناس إليهم.الأمر الثالث: إعطاء الله الإنسان المال والرئاسة والجاه والسمعة؛ هل تدل هذه على كماله؟لا، قد يكون الأمر بالعكس، فقد يُعْطَى للإنسان هذه الأمور ابتلاءً من الله عز وجل وامتحانًا له، فيتولى على الناس، ويكون له جاه عندهم ورئاسة، وما أشبه هذا، وهذا لا يدلّ على حُسن حاله حقيقة.فهذه أمور ثلاثة، وميزان هذه الأمور هو الإيمان والعمل الصالح، فكمال الإنسان هو في الإيمان والعمل الصالح فقط، أما الرئاسات وما يتعلق بها والدعاوي الباطلة، فهذه لا تدل على حُسن حالهم وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ [البقرة: ١١]، ماذا يقولون: قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ [البقرة: ١١] لا نقبل منهم هذه الدعوى، ولهذا ردَّها الله عليهم فقال: أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ [البقرة: ١٢].أيضًا إِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ [البقرة: ١٣] لا يقولون: لا نؤمن أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء [البقرة: ١٣]، فيقدحون في المؤمنين، فقال الله عز وجل: أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ [البقرة: ١٣]، وعلى هذا فيجب أن ننظر إلى حال الإنسان، لا إلى دعواه الباطلة، ولا إلى ما أُوتي من مالٍ وولد ورئاسة وجاه وما أشبه إلى ذلك.طالب: (...) فلهم جزاء الضعف (...).الشيخ: هذا يمكن أن يكون مثل مؤمن أهل الكتاب، وهذه الأمة أيضا أعطيت الضعف من العمل (...).

***

طالب:القاعدة الرابعة والستونالأمور العارضة التي لا قرار لها بسبب المزعجات أو الشبهات قد ترد على الحق والأمور اليقينية ولكن سرعان ما تضمحل وتزول
وهذه قاعدة شريفة جليلة قد وردت في عدة مواضع من القرآن، فمن لم يحكمها حصل له من الغلط في فهم بعض الآيات ما أوجب الخروج عن ظاهر النص، ومن عرف حكمة الله تعالى في ورودها على الحق الصريح لأسباب مزعجة تدفعها، أو لشبهة قوية تحدثها، ثم بعد هذا إذا رجع إلى اليقين والحق الصريح، وتقابل الحق والباطل، فزهق الباطل وثبت الحقُّ، حصلت العاقبة الحسنة، وزيادة الإيمان واليقين، فكان في ذلك التقدير حكم بالغة، وأيادٍ سابغة. ولنمثل لهذا أمثلة:فمنها: أن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أكمل الخَلق إيمانًا ويقينًا، وتصديقًا بوعد الله ووعيده؛ وهذا أمرٌ يجب على الأمم أن يعتقدوا في الرسل أنهم قد بلغوا ذروته العليا، وأنهم معصومون من ضده. ولكن ذكر الله في بعض الآيات أنه قد يعرض من الأمور المزعجة -المنافية حسًّا لما عُلِمَ يقينًا- ما يوجب لهؤلاء الكُمل أن يستبطئوا معه النصر، ويقولون: مَتَى نَصْرُ اللَّهِ [البقرة: ٢١٤].وقد يقع في هذه الحال على القلوب شيء من عوارض اليأس بحسب قوة الواردات وتأثيرها في القلوب. ثم في أسرع وقت تنجلي هذه الحال ويصير النصر لله، وصدق موعوده من الوقع والبشارة والآثار العجيبة أمر كبير، لا يحصُل بدون هذه الحال، ولهذا قال: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا [يوسف: ١١٠].فهذا الوارد الذي لا قرار له، ولما حقّت الحقائق اضمحل وتلاشى، لا يُنكر ويُطلب للآيات تأويلات مخالفة لظاهرها.الشيخ: هذه الآية يشترط على العلماء: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا [يوسف: ١١٠]، وفيها قراءة سبعية: {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا} فعلى القراءة التشديد {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا} الأمر فيها واضح، يعني تيقنوا أنهم قد كذبوا فأيسوا من التصديق جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ [يوسف: ١١٠]، لكن الإشكال وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا، هذه ظاهر كلام الشيخ رحمه الله أنه ورد على قلوبهم أن وعدهم بالنصر ليس صحيحًا، لكن يقول الشيخ: إن هذا وارد يضمحل ويتلاشى، لكن لقوة الواردات على القلوب ينسون صدق الوعد فيظنون هذا الظن. هذا ما ذهب إليه شيخنا رحمه الله.مثل قَدْ كُذِبُواأي قد كُذِبوا بوعد النصر، ومعنى: كُذِبُوا يعني: أُخبِروا بالكذب، كما جاء في الحديث «صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ» . وهذه لو بقيت لكانت مطعنًا في الرسل أن يظنوا أن الله وعدهم فكَذَبَهُم، ولكن شيخنا يقول: إن هذا وارد يَرِد على القلوب ولكنه يتلاشى بسرعة، وسبب وروده على القلب قوة الواردات التي توجب مثل هذا الظن.ويقول الشيخ رحمه الله: إنه أحسن من تأويل الآيات بوجوهٍ بعيدة. ولكن عندي أنه ليس كما قال شيخنا في هذا، وأن المعنى قَدْ كُذِبُوا؛ أي كذبهم أقوامهم في قولهم: إننا مؤمنون، لأنهم لو صدقوا في قولهم: إنا مؤمنون لجاءهم النصر، فيظن هؤلاء الرسل أنهم قد كُذِبوا، ليس كخبر الله في أن الله كذبهم حين أخبرهم بالنصر، ولكن قَدْ كُذِبُواأي كذبهم أقوامهم بقولهم: إننا مؤمنون، وأنه تخلف النصر لعدم إيمان قومهم؛ فحينئذٍ ليس في الآية أي شيء مشكل. تبقى الآية على ظاهرها بدون إشكال.حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُبأن استبعدوا نصر الله وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوامن أقوامهم الذين قالوا: إنا مؤمنون وإنا معكم جَاءَهُمْ نَصْرُنَا [يوسف: ١١٠].وهذا المعنى الذي قلت لا شك أنه أحسن مما ذهب إليه شيخنا رحمه الله، والواردات بلا شك ترد على الإنسان ويغفل وينسى عن الحقيقة التي هي الواقع، ولهذا لما كسفت الشمس خرج النبي صلى الله عليه وسلم فزعًا يظن أنها الساعة، كما جاء في الحديث.وكيف يظن أنها الساعة، والساعة لها أشراط ولها علامات لا تأتي بغتة؟ لكن لقوة الوارد الذي ورد على قلبه نسي أن يكون للساعة أشراط تتقدمها.

***

الطالب:ومن هذا الباب، بل من صريحه، قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الحج: ٥٢] أي: يلقي من الشُّبه ما يعارض اليقين.ثم ذكر الحِكم العظيمة المترتبة على هذا الإلقاء، وأن نهاية الأمر وعاقبته أنَّ الله يُبطل ما يلقي الشيطان ويحكم آياته وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الحج: ٥٢]. فقد أخبر بوقوع هذا الأمر لجميع الرسل والأنبياء بهذه الحِكم التي ذكرها، فمن أنكر وقوع ذلك بناء على أن الرسل لا ريب ولا شك معصومون، وظن أن هذا ينافي العصمة، فقد غلِط أكبر غلط. ولو فهم أن الأمور العارضة لا تؤثر في الأمور الثابتة لم يقل قولًا خالف فيه الواقع وخالف نص الآيات الكريمات.ومن هذا على أحد قولي المفسرين الشيخ: (...) الآية وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الحج: ٥٢-٥٤]. هذه الآية تنازع الناس فيها قديمًا وحديثًا تنازعًا كبيرًا؛ فمنهم من قال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لما قرأ قول الله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى [النجم: ١٩-٢١]؛ قال حين قوله: وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى [النجم: ٢٠]، قال: «تِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى، وَإِنَّ شَفَاعَتُهُنَّ لَتُرْتَجَى». فسمع المشركون هذا الكلام من الرسول صلى الله عليه وسلم، وسجدوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في آخر السورة ؛ لأن آخر السورة سجد مع النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنون والمشركون والجن والإنس.ومنهم من أنكر هذا وقال: لا يمكن أن الرسول عليه الصلاة والسلام يثني على هذه الأصنام ويقول: «تِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى» . هذا لا يمكن، وأنكروا إنكارًا عظيمًا الآثار الواردة في هذا المعنى.ولكن عند التأمل يمكن أن نقول: إن هذا الذي سُمع من الرسول عليه الصلاة والسلام ليس هو قول الرسول، وإنما هو قول الشيطان، ألقاه فسمعه الناس فظنوا أنه قول الرسول، فقالوا: هذا أثنى على أصنامنا وعلى آلهتنا، وهو ليس كلام الرسول، ولهذا قال: أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الحج: ٥٢] فجعل هذا من فعل الشيطان. وحينئذ فلا حاجة إلى أن نبطل هذه الآثار الواردة.ومنهم من قال: إن التمني إذا تمنى هو أمنية القلب وليست في القراءة؛ يعني أن الرسول والنبي يتمنَّى، ولكن الشيطان يفسد عليه أمنيته، ويحول بينه وبينها. وهذا ضعيف.ومنهم من قال: إِذَا تَمَنَّىأي قرأ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِه، باعتبار من سمعوا هذه القراءة، فيلقي في قلوب أناس شكًّا وشبهة، ويلقي في قلوب الآخرين يقينًا وثباتًا، فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ [الحج: ٥٢-٥٤]. فيكون هنا الإلقاء ما يلقيه الشيطان في أيش؟ في قلب السامع من شُبهات حول القرآن، فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ.لكن سياق الآيات يدل على أن الذي يلقيه الشيطان في أمنيته قولٌ يُسمع، فيظن أنه قرآن، ثم بعد ذلك ينسخ الله هذا القول ويبين بطلانه ويُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ. ويكون هذا القول فتنة للذين في قلوبهم مرض، وأما الذين أوتوا العلم فإنهم يعلمون أنه ليس بشيء وليس بصواب.

***

الطالب: ومن هذا -على أحد قولي المفسرين- قوله تعالى: فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ [الأنبياء: ٨٧]، وأنه ظنٌّ عرضَ في الحال ثم زال، نظير الوساوس العارضة في أصل الإيمان التي يكرهها العبد حين ترد قلبه، ولكن إيمانه ويقينه يزيلها ويذهبها. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم عندما شكا إليه أصحابه هذه الحال التي أقلقتهم مبشِّرًا لهم: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ كَيْدَهُ إِلَى الْوَسْوَسَةِ» .ويشبه هذه العوارض التي تعرض في إرادات الإيمان بقوة وارد من شهوة أو غضب، وأن المؤمن كامل الإيمان قد يرد في قلبه همّ وإرادة لفعل بعض المعاصي التي تنافي الإيمان الواجب، ثم يأتي برهان الإيمان وقوة ما مع العبد من الإنابة التامة فيدفع هذا العارض، ومن هذا قوله تعالى عن يوسف: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ [يوسف: ٢٤].وهو أنه لما رجع إلى ما معه من الإيمان ومراقبة الله وخوفه ورجائه دفع عنه هذا الهم واضمحل، وصارت إرادته التامة فيما يرضي ربه. ولهذا بعد المعالجة الشديدة التي لا يصبر عليها إلا الخواص من الخلق قال صلى الله عليه وسلم: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِالآية [يوسف: ٣٣].وكان أحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «رَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ» . الشيخ: هذا الذي ذهب إليه الشيخ هنا هو الصواب في هذه الآية: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا [يوسف: ٢٤] يوسف؛ لأنها امرأة مدللة؛ امرأة الملك وعليها من الحُلي والثياب والجمال والبهاء ما يوجب تعلُّق النفس بها، فدعته في موضع لا يطَّلع عليهما إلا الله؛ لأنها أغلقت الأبواب ولم يبق معه إلا هذه المرأة، دعته إلى نفسها وهو شاب وفيه ما في الرجال، هَمَّتْ بِهِظاهر وَهَمَّ بِهَاأيضًا لكن منعه أنه رأى برهان ربه؛ رجع إلى نفسه ورأى ما معه من اليقين ونور الإيمان فامتنع.وهذا لا يضر يوسف، بل لا يزيده إلا رتبة وفضلًا؛ لأنه إذا كان في هذه الحال التي وجد السبب وانتفى المانع، ثم بعد ذلك تركه لله، صار أعظم منزلة وأعلى درجة مما لو لم يكن له هَمٌّ بها؛ لأن إذا صار ما له هم بها ما يهمه، لكن إذا هَمَّ بها ثم بعد ذلك رجع وتركها لله عز وجل صار هذا أعظم. فهذا مدح وثناء ليوسف.وأما من قال: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَاأي بضربها؛ فهذا من أفسد الأقوال، لأنه إذا كان ضربها حقًّا فإن برهان ربه لا يصرفه عنه، وإن كان باطلًا فمعنى ذلك أنها فعلت ما لا تستحق الضرب عليه، فهذا التفسير لا شك أنه باطل. وأن المعنى ما ذهب إليه شيخنا رحمه الله أن الهَمّ حقيقي.ثم ما هذا البرهان الذى رآه؟قال بعضهم: إنه رأى أباه يعقوب يعض يديه وأنامله يقول: لا تفعل، وهذا أيضًا باطل؛ لأن الأب لا يسمى برهانًا، ولكن البرهان ما معه من الإيمان والعلم بالله سبحانه وتعالى والخوف منه؛ هذا هو الذى منعه.والحاصل: أن مثل هذه العوارض -كما قال شيخنا- لا تؤثِّر على الأمور الثوابت الراسخة؛ لأنها عوارض تأتي وتزول؛ قد يعرض على القلب -ولاسيما قلوب المؤمنين- شيء من الشك والجحود والكفر، ولكن كل هذا يزول مع الإيمان؛ حتى إنه يصوَّر الرجل إذا قام يصلِّي كأنما يصلِّي لأبيه أو لأخيه أو لمعلِّمه، أو ما أشبه ذلك، ولكن هذا كله يزول بالتعوّذ بالله من الشيطان الرجيم والانتهاء عنه.

***

الطالب:وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ [الأعراف: ٢٠١]. يشمل الطائف الذي يعرض في أصل الإيمان والذي يعرض في إراداته. فإذا مسَّهم تذكروا ما يجب من يقين الإيمان ومن واجباته فأبصروا، فرجع الشيطان خاسئًا وهو حسير.ولعلَّ من هذا قول لوط عليه السلام: أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ [هود: ٨٠]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «رَحِمَ اللهُ لُوطًا، لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ» . يعني: وهو الله القوي العزيز، لكن غلب على لوط صلى الله عليه وسلم تلك الحال الحرجة والنظر للأسباب العادية، فقال ما قال، مع علمه التام بقوة ذي العظمة والجلال.الشيخ: واضح؟ ولوط عليه الصلاة والسلام قال: ليت لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد؛ يعني إذا قومي يمنعوني ويعصمونني ويعينوني.قال النبي عليه الصلاة والسلام: «رَحِمَ اللهُ لُوطًا، لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ». مَنْ هو؟ الله عز وجل، لكنه في تلك الحالة الحرجة، كما قال شيخنا، غاب عنه ما سوى الأسباب الحسية، وهي القرابة والقوم الذين يحمونه ويمنعونه.طالب: شيخ، في الآية وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىالآية [الحج: ٥٢] على الإيراد الأول التأويل الأول أنه هو ليس من كلام الرسول عليه الصلاة والسلام وإنما من كلام الشيطان ومن فعله، يعني كأن الرسول استرسل في سياق الآيات بلا ولم يقل هذه الجملة (...) من الأصل؟ «تِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى» .الشيخ: نعم، ما قاله.الطالب: طيب قد يقول قائل: لماذا جاءت الآية فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ [الحج: ٥٢] النسخ لابد يكون (...)؟الشيخ: أحسنت. النسخ معناه أنه ينسيه إياه ينسيهم حتى لا يقوله أحد.طالب: شيخ، بالنسبة يا شيخ لأبي يوسف (...) لولا أن رأى برهان ربه (...) سبحانه وتعالى منعه الهم.الشيخ: لا، يعني لولا أن رأى برهان ربه لفعل ما هم به، هذا الهم هذا معناه (...) ولا تحسن غيره.طالب: بعض أهل العلم يضعِّف حديث الغرانيق؟الشيخ: نعم صح.طالب: من (...). الشيخ: إحنا نقول وليكن هذا ضعيفًا، لكن لا بد أن الشيطان يلقي القراءة سواء الغرانيق أو غيرها، والذين ضعفوه ظنوا أن هذا من قول الرسول عليه الصلاة والسلام، وهو ليس من قوله، بل يُلقيه الشيطان بصوت الشيطان مقلدًا لصوت النبي صلى الله عليه وسلم. الطالب: نفس هذه القصة ابن كثير قالوا: وردت ولكن بطرق ضعيفة.الشيخ: نعم، هي طرق ضعيفة وبعضهم أنكرها إنكارًا عظيمًا، حتى قال بعضهم في كتابٍ ألَّفه: نصب المنجنيق لنسف قصة الغرانيق مبالغة.الطالب: أحسن الله إليك لكن صحت (...).الشيخ: على كل حال هي لا تضر سواء صحت ولّا ما صحت، ما دام أن الله عز وجل ينسخ ما يلقي الشيطان ويُحْكم آياته ما فيه إشكال، ثم إن الآية صريحة أن الشيطان هو الذي يلقيها، ما هو بالرسول يتلوها، ما قال: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى قال في أمنيته كذا وكذا، قال: أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الحج: ٥٢].طالب: أحسن الله إليك، هل يشتبه حديث الرسول من حديث الشيطان على الصحابة، يعني فيظنون أن هذا حديث الرسول؟الشيخ: لا، هم يظنون أنه من القرآن، ظنوا أنه من القرآن؛ لأن الصوت الذي ألقاه الشيطان كصوت النبي صلى الله عليه وسلم، فظن الناس أن هذا من قول الرسول وقالوا (...) محمد رجع ومدح آلهتنا وأثنى عليها. طالب: نفس كلمة غرنوق ما هي كلمة عربية (...) غرنوق ما هي كلمة عربية. الشيخ: معربة. الطالب: لا هذا (...).الشيخ: لا، هذا اللي (...) حتى الإستبرق ما هي كلمة عربية، سندس وأجد كلمات غير عربية لكن العرب تكلموا بها وتسمى هذه الكلمات تسمى عند العلماء معربة. طالب: كثير في القرآن.الشيخ: إي نعم. الطالب: معظم أسماء الأنبياء كلها أعجمية.الشيخ: كلها أعجمية.

***

القاعدة الخامسة والستونقد أرشد القرآن إلى منع الأمر المباح إذا كان يُفضِي إلى محرم أو ترك واجب

وهذه القاعدة وردت في القرآن في مواضع متعددة، وهي من قاعدة: الوسائل لها أحكام المقاصد.الشيخ: هذه وجوهها؛ إذا كان المباح فيه محرَّم كان حرامًا، وإذا كان يفضي إلى واجب كان واجبًا. فتجري فيه الأحكام الخمسة، يقول الشيخ رحمه الله: وهذه القاعدة من قاعدة الوسائل لها أحكام المقاصد، يعني ما كان وسيلة إلى شيء فله حكم ذلك الشيء، فالوسيلة للواجب واجبة، ومثالها؟طالب: سماع الخطبة يوم الجمعة واجب، وركعتا تحية دخول المسجد واجب، فما نقول: إن سماع الخطبة واجب يستدل بها أن الركعتين واجب.. الشيخ: سيب هذه المسألة الخلافية جيب مسألة واضحة.طالب: الوضوء للصلاة؟الشيخ: الوضوء للصلاة واجب، فإذا لم يمكن الوضوء إلا بشراء الماء، كان شراء الماء واجبًا. وما كان وسيلة إلى المحرم كان حرامًا.الطالب: يمكن وعاء يستخدم للخمر، شراء وعاء للخمر محرم.الشيخ: صح؛ لو أنَّ شخصًا جاء إلي يشتري منِّي وعاء للخمر قلنا: البيع عليه حرام.فيه قاعدة ثانية تقول: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، أيهما أعم هي وهذه القاعدة: الوسائل لها أحكام المقاصد؟ الوسائل لها أحكام المقاصد أعم، وعلى هذا فتكون هي القاعدة المعتبرة؛ أن الوسائل لها أحكام المقاصد.

***

الطالب:فمنها قوله تعالى: وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام: ١٠٨].وقوله تعالى: وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ [النور: ٣١].فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ [الأحزاب: ٣٢].وقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجمعة: ٩].وقد ورد بعض آيات تدل على هذا الأصل الكبير، فالأمور المباحة هي بحسب ما يُتوسَّل به إليها، إن تُوسِّل بها إلى فعل واجب أو مسنون كانت مأمورًا بها؛ وإن تُوسِّل بها إلى فعل محرم أو ترك واجب، كانت محرمة منهيًّا عنها، وإنما الأعمال بالنيات الابتدائية والغائية، والله الموفِّق.الشيخ: الأمثلة واضحة وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام: ١٠٨]، الأصل في سب آلهة المشركين؟طالب: الجواز. طالب آخر: الوجوب.الشيخ: الإباحة، بل قد يجب، فإذا كان يؤدي إلى سبِّ الله سبحانه وتعالى وهو ليس أهلًا للسب بخلاف آلهتهم كان محرمًا.الضرب بالرجل، الأصل؟طلبة: الإباحة.الشيخ: الإباحة، فإذا كانت المرأة تضرب برجلها ليعلم ما تخفي من زينتها كان ذلك..

طالب: تام كامل، لا يقع ما يقاربه، لو فصلت القصة الطويلة من دون تقدم إجمال.
وقد وقع هذا النوع في القرآن في مَواضع:
منها في قصة يوسف في قوله: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ [يوسف: ٣].
ثم قال: لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ [يوسف: ٧]. ثم ساق القصة بعدها.
وكذلك في قصة أهل الكهف: لما قال: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (٩) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (١٠) فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١١) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا [الكهف: ٩ - ١٢] فهذا إجمالها قد حَوَى مقصودها وزُبدتها، ثم وقع بعده التفصيل بقوله: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ [الكهف: ١٣] إلى آخر القصة.
وكذلك في قصة موسى: لما قال تعالى: نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [القصص: ٣] إلى قوله: يَحْذَرُونَ [القصص: ٦]. هذا مجملها، ثم وقع التفصيل.
وقال تعالى: وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا [طه: ١١٥] فأجملها ثم وقع بعده التفصيل.
وأما التنقل في تقرير الأشياء من أمرٍ إلى ما هو أولى منه فكثيرٌ:
منها لَما أنكر على مَن اتخذ مع الله إلهًا آخر، وزعم أن الله اتخذ ولدًا، وقال في إبطال هذا: مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ [الكهف: ٥] فأبان أن قولهم هذا قول بلا علم، ومن المعلوم أن القول بلا علم من الطرق الباطلة، ثم ذكر قُبحه فقال: كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ [الكهف:٥]، ثم ذكر مرتبة هذا القول من البطلان فقال: إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا [الكهف:٥].
وقال في حق المنكرين للبعث: بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ [النمل: ٦٦]. أي علمهم فيها علم ضعيف لا يُعتمد عليه، ثم ذكر ما هو أبلغ منه فقال: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ [النمل: ٦٦]. ومن المعلوم أن الشك ليس معه من العلم شيء. ثم انتقل منه إلى قوله: بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ [النمل: ٦٦] والعمى آخر مراتب الحيرة والضلال.
وقال نوح عليه السلام في تقرير رسالته عمن كذَّبه وزعم أنه في ضلاله مبين: قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ [الأعراف: ٦١]، فلمَّا نفى الضلالة من كل وجه أثبت بعده الهدى الكامل من كل وجه فقال: وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأعراف: ٦١].
ثم انتقل إلى ما هو أعلى من ذلك، وأن مادة هذا الهُدى الذي جئت به من الوحي الذي هو أصل الهدى ومنبعه ومادته فقال: أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [الأعراف: ٦٢] وكذلك هود عليه السلام.
قال في تقرير رسالة أكمل الرسل: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى [النجم: ١ - ٢]، فنفى عنه ما ينافي الهُدى من كل وجه، ثم قال: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم: ٤]. إلى آخر الآيات.
وهو في القرآن كثيرٌ جدًّا، كانتقاله من ذكر هبة الولد لزكريا إلى مريم، وأمر القِبلة بعد تعظيمه للبيت وغيرها.

الشيخ: إن هذه القاعدة تضمنت أمرين: الأمر الأول: الإجمال ثم التفصيل. وهذا من طرق البلاغة؛ لأن الإجمال أقرب إلى الحفظ وأوعى للذهن. ثم إن الإجمال إذا وقع بقيت النفس متشوفة إلى التفصيل، فيرد عليها التفصيل، وهي أحوج ما يكون إلى معرفته.
وإذا ورد العلم على القلب -وهو محتاج إلى معرفته مشتاق إليها- رسخ فيه أكثر وثبُت فيه وتمكن. هذا من فوائد التفصيل بعد الإجمال، وإلا فلو قال قائل: لماذا لا يذكر الشيء مفصلًا من أول الأمر؟
نقول: لو فعلنا ذلك لفاتنا هذان الأمران؛ وهما: أن التفصيل بعد الإجمال أثبت في القلب؛ لأنه يرد على القلب وهو متشوف له، ولأن الاختصار والإجمال أوعى للذهن وأقرب للحفظ.
وأما الانتقال من حال إلى أخرى فهذا أيضًا ظاهر لأجل ألا ترد المعاني على القلوب دفعة واحدة، وإنما ترد إليها متنقلة مرحلة مرحلة.
ومن هذا أيضًا الأحكام؛ فإن الأشياء التي لا يستطيع الناس أن يأتوا بها مرة واحدة دفعة واحدة يجعلها الله تعالى مرتبة شيئًا فشيئًا؛ فمن المأمورات: الصلاة، والصيام، والزكاة، كلها لها مراتب؛ ففي الصلاة كان في الأول يصلونها بكرة وعشيًّا، ثم صارت خمس صلوات. وفي الزكاة كانوا يؤمرون بأن يؤتوا المال حقه وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ [الأنعام: ١٤١] بدون تقدير، ثم قُدِّرت. وفي الصيام كان في الأول من شاء صام ومن شاء افتدى ثم تعين الصيام.
وفي المنهيات نجد أن الله عز وجل في الأمور التي يصعُب الامتناع عنها مرة واحدة يجعلها مرتَّبة؛ مثل: الخمر، والميسر، فإن الناس كانوا قد عاشوا عليهما، فيصعُب أو يشق عليهم أن يدعوها مرة واحدة، فجعل الأمر مرتَّبًا، ينتقل من حالٍ إلى حال، ليسهل عليهم التنفيذ والفعل أو الترك.

***

القاعدة الحادية والستون: معرفة الأوقات وضبطها حث الله عليه، حيث يترتب عليه حكم عام أو حكم خاص
00:08:09
طالب:

القاعدة الحادية والستون

معرفة الأوقات وضبطها حث الله عليه، حيث يترتب عليه حكم عام أو حكم خاص
وذلك أن الله رتَّب كثيرًا من الأحكام العامة والخاصة على مُدد وأزمنة، تتوقف الأحكام عملًا وتنفيذًا على ضبط تلك المدة وإحصائها؛ قال تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة: ١٨٩].
فقولُه: مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِيدخل فيه مواقيت الصلوات والصيام والزكاة؛ وخص الحج بالذكر لكثرة ما يترتب عليه من الأوقات الخاصة والعامة، وكذلك مواقيت للعِدد والديون والإجارات وغيرها.
وقال تعالى لَما ذكر العِدة: وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ [الطلاق: ١]، وقوله في الصيام: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة: ١٨٤]، وقال تعالى: إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء: ١٠٣]، وقال تعالى: بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا [الكهف: ١٢].

طالب آخر: موقوتًا مفعول (...)؟
الشيخ: موقوتًا مؤقتًا، الكتاب هو اللي المفعول.
الطالب: وذلك لمعرفة قدرة الله في إفاقتهم، فلو استمروا على نومهم لم يحصُل الاطلاع على شيء من ذلك من قصتهم، فمتى ترتب على ضبط الحساب وإحصاء المدة مصلحة في الدين أو في الدنيا، كان مما حثَّ وأرشد إليه القرآن.
ويقارب هذا قوله تعالى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَاالآية [البقرة: ٢٥٩]، وقوله: لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ [يونس: ٥]، ونحوها من الآيات.

الشيخ: وفي ضبط الأمور والأوقات مصلحة عظيمة أيضًا سوى ما ذكره المؤلف؛ وهي أن الإنسان لا ينفرط عليه وقته؛ لأن الإنسان إذا أطلق نفسه وأهملها انفرط عليه الوقت، لكن إذا رتَّب وقته حفظ وقته وضبطه ولم يضع عليه منه شيء، مثلًا يقول الصبح: إذا صليت الفجر رتبت نفسي ففعلت كذا وكذا، وبعد طلوع الشمس أفعل كذا وكذا، في اليوم الفلاني أفعل كذا وكذا، في اليوم الفلاني أفعل كذا وكذا. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَى اللهِ أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ» ، حتى لا يصير الإنسان منفرطًا في شغله فيضيع عليه الوقت.
وقد بيَّن الله تعالى في القرآن أن ضياع الوقت من حال من أغفل الله ذكره عن قلبه وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف: ٢٨].
فالذي ينبغي لك أيها الإنسان أن تربط وقتك وتجعل كل وقت له عمل معين حتى لا تتداخل الأعمال ولا يضيع عليك الوقت بلا فائدة، وذكر المؤلف رحمه الله أمثلة من هذا تدل على ضبط الوقت وعلى حفظه وحمايته.

***

القاعدة الثانية والستون: الصبر أكبر عون على جميع الأمور، والإحاطة بالشيء علما وخبرا هو الذي يعين على الصبر
00:12:35

طالب:

القاعدة الثانية والستون
الصبر أكبر عون على كل الأمور، والإحاطة بالشيء علمًا وخبرًا هو الذي يعين على الصبر

وهذه القاعدة عظيمة النفع، قد دلَّ القرآن عليها صريحًا وظاهرًا في أماكن كثيرة
الشيخ: ما الفرق بين الصريح والظاهر؟
الصريح: هو الذي لا يحتمل إلا معنًى واحدًا.
والظاهر: هو الذي يحتمل معنيين؛ أحدهما أظهر.
والْمُجْمَل: يحتمل معنيين لا يتميز أحدهما بالظهور عن الآخر.
الألفاظ ثلاثة أقسام : صريح وظاهر ومجمل، فقوله: صريحًا وظاهرًا يعني صريحًا لا يحتمل إلا معنًى واحدًا، وظاهر يحتمل معنيين، هو في أحدهما أرجح.

***

الطالب: قال تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ [البقرة: ٤٥]، أي: استعينوا على جميع المطالب، في جميع شؤونكم بالصبر، فإن بالصبر يسهل على العبد القيام بوظيفة الطاعات، وأداء حقوق الله وحقوق عباده. وبالصبر يسهل عليه ترك ما تهواه نفسه من المحرَّمات؛ فينهاها عن هواها حذر شقاها، وطلبًا لرضا مولاها. وبالصبر تخف عليه الكريهات.
ولكن هذا الصبر وسيلته وآلته التي ينبني عليها، ولا يمكن وجوده بدونها، هو معرفة الشيء المصبور عليه، وما فيه من الفضائل وما يترتب عليه من الثمرات.
فمتى عرف العبد ما في الطاعات من صلاح القلوب وزيادة الإيمان، واستكمال الفضائل، وما تثمره من الخيرات والكرامات، وما في المحرَّمات من الضرر والرذائل، وما توجبه من العقوبات المتنوعة، وعلم ما في أقدار الله من البركة، وما لمن قام بوظيفته فيها من الأجور؛ هان عليه الصبر على جميع ذلك. وبهذا يعلم فضل العلم، وأنه أصل الفضائل كلها. ولهذا كثيرًا يذكر في كتابه أن المنحرفين في الأبواب الثلاثة إنما ذلك لقصور علمهم، وعدم إحاطتهم التامة بها.
وقال: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر: ٢٨].
وقال: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ [النساء: ١٧].
ليس معناها أنهم لا يعترفون أنها ذنوب وسوء، وإنما قصُر عِلمهم وخبرتهم، بما توجبه الذنوب من العقوبات وأنواع المضرَّات وإزالة المنافع.
وقال تعالى مبينًا أنه متقرر أن الذي لا يعرف ما يحتوي عليه الشيء يتعذر عليه الصبر؛ فقال عن الخضر لما قال له موسى وطلب منه أن يتبعه ليتعلم مما علمه الله؛ قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا [الكهف: ٦٧، ٦٨]، فعدم إحاطته به خُبرًا يمتنع معه الصبر، ولو تجلَّد ما تجلد فلا بد أن يُعَال صبره.
وقال تعالى مبينًا عظمة القرآن وما هو عليه من الجلالة والصدق الكامل: بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ [يونس: ٣٩].
فأبان أن الأعداء المكذبين به إنما تكذيبهم به لعدم إحاطتهم بما هو عليه، وأنهم لو أدركوه كما هو لألجأهم واضطرهم إلى التصديق والإذعان، فهم وإن كانت الحُجَّة قد قامت عليهم ولكنهم لم يفقهوه الفقه الذي يطابق معناه، ولم يعرفوه حق معرفته.
وقال في حق المعاندين الذين بان لهم علمه وخبروا صدقه: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل: ١٤]، وقال تعالى: فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام: ٣٣].
والمقصود أن الله أرشد العباد إلى الاستعانة على أمورهم بملازمة الصبر، وأرشدهم إلى تحصيل الصبر بالنظر إلى الأمور، ومعرفة حقائقها، وما فيها من الفضائل أو الرذائل. والله أعلم.

الشيخ: المؤلف -رحمه الله- يقول، ذكر هذه القاعدة تشتمل على أمرين:
الأمر الأول: أن الصبر أكبر عون على الأمور، فإن الإنسان إذا صبر على الشيء وصابر عليه كان ذلك عونًا له على إدراكه.
ويُذكر أنَّ الكسائي -وهو إمام الكوفيين في النحو- صار يتعلَّم النحو فعجز عنه؛ ما عرفه، وفي يومٍ من الأيام رأى نملة (...) يحمل تمرة أو نواة ليصعد بها من الجدار، فكلما صعد بهذه التمرة ثقُلت عليه ثم سقط وياها إلى الأرض، وهكذا عدة مرات حتى صعدت بها، فقال: هذه صابرت هذا الصبر حتى حصل لها مقصودها في غذاء جسمي بدني؛ فلماذا لا أصبر حتى أنال مقصودي في تعلُّم النحو؟ فصار يتعلم حتى صار إمامًا في النحو.
وهكذا ينبغي للإنسان -طالب العلم- أن يصبر على طلب العلم، وألا ييئس، لا يقول: والله هذا صعب علي، هو يصعب عليك في أول مرة لكن يسهل عليك، ثم تبدأ تقرأ الشيء وكأنه مشروح لك من قبل، ولكن يحتاج إلى الصبر على الشيء، ثم هذا الصبر يحتاج إلى ما يعين عليه. ما الذي يعينك على الصبر؟
الذي يُعينك على الصبر: معرفة ما للمصبور عليه أو للمصبور عنه من النتائج؛ فإن كان مطلوبًا حصوله فاعلم ما يترتب عليه من الثمرات والمنافع والمصالح، وإن كان مطلوبًا تركه فاعلم ما يترتب على فعله من الشرور والسيئات، هذا يعينك على أيش؟ الصبر.
كذلك مما يُعينك على الصبر في طلب أو في إدراك المطلوبات أن تقول لنفسك: أنتِ الآن قطعتِ شوطًا بعيدًا للوصول إلى غاية، ورجوعك من أثناء الطريق معناه: إضاعة الوقت وخسارة ما اكتسبت، بعض الناس مثلًا (...) ألفية ابن مالك، فإذا انتصف بها قال والله هذا صعب لكن عليه أن يصبر، عندي سنة وثلاثة أشهر في نصفها. معناه أنه بيكمل نصفها في كم؟
طالب: (...).
الشيخ: لا؛ في ثلاث سنين وأكثر؛ لأن النصف الثاني يضاف إليه النصف الأول لتداركه.
إذن اتركها يا ولد ما له لزوم، ماذا حصل؟ ضيَّع عليه الفرصة، الماضي كله ضاع. فهذا أيضًا مما يعين على الصبر: معرفة المصبور عليه، وما يترتب عليه من نتائج والعواقب.
والثاني: معرفة أنه إذا تخلَّى عن الصبر أضاع على نفسه شيئًا كثيرًا اكتسبه، وهذا كأنه سفه.
أما الأمر الثالث -مما يعين على الصبر- فهو أن يرجو الإنسان بصبره ثواب الله عز وجل؛ فإن الله يقول: اصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال: ٤٦]، ويقول: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر: ١٠].
فإذا عرف ما في الصبر نفسه بقطع النظر عن المصبور عليه من الثواب والكرامة؛ فإنه يستمر على صبره ويتحمل.
رابعًا -مما يعين على الصبر- أن الإنسان إذا صبر على الشيء صار هذا الشيء كأنه غريزة في نفسه، حتى إنه ليتخلَّى إذا فقده.
وانظر نفسك أيها الطالب في أول السنة الدراسية أول ما تأتي؛ يوم، يومين، ثلاثة تجد نفسك متعبًا، مالًّا من طول الدروس، فإذا تمرَّنت عليها سهُل عليك وهان، حتى إنك تفقد الدروس عند حلول الإجابة، وهذا شيء يُشاهَد.
فمثل هذه الأمور تعين الإنسان على الصبر والتحمل وعدم النكوص على العقبين، وأن يستمر على ما هو عليه.
وقد رُوي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: من بورك له في شيء فليلزمه . وهذه كلمة عظيمة: من بورك له في شيء فليلزمه، ولا تجد كل يوم تستدرك رأيًا ونظرًا فإن هذا يذهب عليك الوقت.

***

القاعدة الثالثة والستون: العبرة بصدق الإيمان وصلاح الأعمال
00:24:28

طالب:

القاعدة الثالثة والستون

يُرشد القرآن إلى أن العبرة بحسن حال الإنسان إيمانه وعمله الصالح، وأن الاستدلال على ذلك بالدعاوى المجردة أو بإعطاء الله للعبد من الدنيا أو بالرياسات؛ كل ذلك من طرق المنحرفين

والقرآن يكاد أن يكون أكثره تفصيلًا لهذه القاعدة؛ وقد قال تعالى: وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا [سبأ: ٣٧].
وقال تعالى: يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء: ٨٨، ٨٩].
وقد أكثر الله من هذا المعنى في عدة آيات.
وأما حكاية المعنى الآخر عن المنحرفين؛ فقال عن اليهود والنصارى: وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [البقرة: ١١١].
ثم ذكر البرهان الذي من أتى به فهو المستحق للجنة؛ فقال: بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة: ١١٢].
وقال تعالى: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ [النساء: ١٢٣] الآياتِ.
وقال تعالى: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا [مريم: ٧٣]. وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١]، ونحوها من الآيات التي يستدل بها الكفار على حُسن حالهم، بتفوقهم في الأمور الدنيوية والرياسات، ويذمون المؤمنين ويستدلون على بطلان دينهم بنقصهم في هذه الأمور. وهذا من أكبر مواضع الفتن.

الشيخ: هذه الأشياء هنا ثلاثة أمور؛ الأمر الأول: إيمان الإنسان وعمله الصالح؛ وهذا هو المقياس للرجل، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ» .
هذا هو المقياس الأول؛ إذا كان مؤمنًا عاملًا بالصالحات؛ فهذا هو الدليل على كمال حاله وحُسن حاله.
الثاني: دعاوى مجردة يدَّعيها الإنسان لنفسه؛ وهي بعيدة عن الإيمان بالله واليوم الآخر، فهذه لا تدل على كمال حاله وحُسن حاله؛ لأن كل إنسان يستطيع أن يدَّعي الكمال، لكن إذا نظرنا إلى حاله وإذا هو مفارق للكمال ما نقبل منه.
ومن هذا دعاوي أولياء الشياطين أنهم أولياء الله وأحباء الله، مثل ما يدَّعي أولئك المخرِّفون، الذين يدعون الولاية لأنفسهم بأنهم أولياء ليجذبوا الناس إليهم.
الأمر الثالث: إعطاء الله الإنسان المال والرئاسة والجاه والسمعة؛ هل تدل هذه على كماله؟
لا، قد يكون الأمر بالعكس، فقد يُعْطَى للإنسان هذه الأمور ابتلاءً من الله عز وجل وامتحانًا له، فيتولى على الناس، ويكون له جاه عندهم ورئاسة، وما أشبه هذا، وهذا لا يدلّ على حُسن حاله حقيقة.
فهذه أمور ثلاثة، وميزان هذه الأمور هو الإيمان والعمل الصالح، فكمال الإنسان هو في الإيمان والعمل الصالح فقط، أما الرئاسات وما يتعلق بها والدعاوي الباطلة، فهذه لا تدل على حُسن حالهم وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ [البقرة: ١١]، ماذا يقولون: قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ [البقرة: ١١] لا نقبل منهم هذه الدعوى، ولهذا ردَّها الله عليهم فقال: أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ [البقرة: ١٢].
أيضًا إِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ [البقرة: ١٣] لا يقولون: لا نؤمن أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء [البقرة: ١٣]، فيقدحون في المؤمنين، فقال الله عز وجل: أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ [البقرة: ١٣]، وعلى هذا فيجب أن ننظر إلى حال الإنسان، لا إلى دعواه الباطلة، ولا إلى ما أُوتي من مالٍ وولد ورئاسة وجاه وما أشبه إلى ذلك.
طالب: (...) فلهم جزاء الضعف (...).
الشيخ: هذا يمكن أن يكون مثل مؤمن أهل الكتاب، وهذه الأمة أيضا أعطيت الضعف من العمل (...).

***

القاعدة الرابعة والستون: الأمور العارضة التي لا قرار لها بسبب المزعجات أو الشبهات قد ترد على الحق وعلى الأمور اليقينية ولكن سرعان ما تضمحل وتزول
00:30:29

طالب:
القاعدة الرابعة والستون
الأمور العارضة التي لا قرار لها بسبب المزعجات أو الشبهات قد ترد على الحق والأمور اليقينية ولكن سرعان ما تضمحل وتزول
وهذه قاعدة شريفة جليلة قد وردت في عدة مواضع من القرآن، فمن لم يحكمها حصل له من الغلط في فهم بعض الآيات ما أوجب الخروج عن ظاهر النص، ومن عرف حكمة الله تعالى في ورودها على الحق الصريح لأسباب مزعجة تدفعها، أو لشبهة قوية تحدثها، ثم بعد هذا إذا رجع إلى اليقين والحق الصريح، وتقابل الحق والباطل، فزهق الباطل وثبت الحقُّ، حصلت العاقبة الحسنة، وزيادة الإيمان واليقين، فكان في ذلك التقدير حكم بالغة، وأيادٍ سابغة. ولنمثل لهذا أمثلة:
فمنها: أن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أكمل الخَلق إيمانًا ويقينًا، وتصديقًا بوعد الله ووعيده؛ وهذا أمرٌ يجب على الأمم أن يعتقدوا في الرسل أنهم قد بلغوا ذروته العليا، وأنهم معصومون من ضده. ولكن ذكر الله في بعض الآيات أنه قد يعرض من الأمور المزعجة -المنافية حسًّا لما عُلِمَ يقينًا- ما يوجب لهؤلاء الكُمل أن يستبطئوا معه النصر، ويقولون: مَتَى نَصْرُ اللَّهِ [البقرة: ٢١٤].
وقد يقع في هذه الحال على القلوب شيء من عوارض اليأس بحسب قوة الواردات وتأثيرها في القلوب. ثم في أسرع وقت تنجلي هذه الحال ويصير النصر لله، وصدق موعوده من الوقع والبشارة والآثار العجيبة أمر كبير، لا يحصُل بدون هذه الحال، ولهذا قال: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا [يوسف: ١١٠].
فهذا الوارد الذي لا قرار له، ولما حقّت الحقائق اضمحل وتلاشى، لا يُنكر ويُطلب للآيات تأويلات مخالفة لظاهرها.

الشيخ: هذه الآية يشترط على العلماء: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا [يوسف: ١١٠]، وفيها قراءة سبعية: {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا} فعلى القراءة التشديد {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا} الأمر فيها واضح، يعني تيقنوا أنهم قد كذبوا فأيسوا من التصديق جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ [يوسف: ١١٠]، لكن الإشكال وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا، هذه ظاهر كلام الشيخ رحمه الله أنه ورد على قلوبهم أن وعدهم بالنصر ليس صحيحًا، لكن يقول الشيخ: إن هذا وارد يضمحل ويتلاشى، لكن لقوة الواردات على القلوب ينسون صدق الوعد فيظنون هذا الظن. هذا ما ذهب إليه شيخنا رحمه الله.
مثل قَدْ كُذِبُواأي قد كُذِبوا بوعد النصر، ومعنى: كُذِبُوا يعني: أُخبِروا بالكذب، كما جاء في الحديث «صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ» . وهذه لو بقيت لكانت مطعنًا في الرسل أن يظنوا أن الله وعدهم فكَذَبَهُم، ولكن شيخنا يقول: إن هذا وارد يَرِد على القلوب ولكنه يتلاشى بسرعة، وسبب وروده على القلب قوة الواردات التي توجب مثل هذا الظن.
ويقول الشيخ رحمه الله: إنه أحسن من تأويل الآيات بوجوهٍ بعيدة. ولكن عندي أنه ليس كما قال شيخنا في هذا، وأن المعنى قَدْ كُذِبُوا؛ أي كذبهم أقوامهم في قولهم: إننا مؤمنون، لأنهم لو صدقوا في قولهم: إنا مؤمنون لجاءهم النصر، فيظن هؤلاء الرسل أنهم قد كُذِبوا، ليس كخبر الله في أن الله كذبهم حين أخبرهم بالنصر، ولكن قَدْ كُذِبُواأي كذبهم أقوامهم بقولهم: إننا مؤمنون، وأنه تخلف النصر لعدم إيمان قومهم؛ فحينئذٍ ليس في الآية أي شيء مشكل. تبقى الآية على ظاهرها بدون إشكال.
حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُبأن استبعدوا نصر الله وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوامن أقوامهم الذين قالوا: إنا مؤمنون وإنا معكم جَاءَهُمْ نَصْرُنَا [يوسف: ١١٠].
وهذا المعنى الذي قلت لا شك أنه أحسن مما ذهب إليه شيخنا رحمه الله، والواردات بلا شك ترد على الإنسان ويغفل وينسى عن الحقيقة التي هي الواقع، ولهذا لما كسفت الشمس خرج النبي صلى الله عليه وسلم فزعًا يظن أنها الساعة، كما جاء في الحديث.
وكيف يظن أنها الساعة، والساعة لها أشراط ولها علامات لا تأتي بغتة؟ لكن لقوة الوارد الذي ورد على قلبه نسي أن يكون للساعة أشراط تتقدمها.

***

الطالب:
ومن هذا الباب، بل من صريحه، قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الحج: ٥٢] أي: يلقي من الشُّبه ما يعارض اليقين.
ثم ذكر الحِكم العظيمة المترتبة على هذا الإلقاء، وأن نهاية الأمر وعاقبته أنَّ الله يُبطل ما يلقي الشيطان ويحكم آياته وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الحج: ٥٢]. فقد أخبر بوقوع هذا الأمر لجميع الرسل والأنبياء بهذه الحِكم التي ذكرها، فمن أنكر وقوع ذلك بناء على أن الرسل لا ريب ولا شك معصومون، وظن أن هذا ينافي العصمة، فقد غلِط أكبر غلط. ولو فهم أن الأمور العارضة لا تؤثر في الأمور الثابتة لم يقل قولًا خالف فيه الواقع وخالف نص الآيات الكريمات.
ومن هذا على أحد قولي المفسرين

الشيخ: (...) الآية وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الحج: ٥٢-٥٤].
هذه الآية تنازع الناس فيها قديمًا وحديثًا تنازعًا كبيرًا؛ فمنهم من قال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لما قرأ قول الله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى [النجم: ١٩-٢١]؛ قال حين قوله: وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى [النجم: ٢٠]، قال: «تِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى، وَإِنَّ شَفَاعَتُهُنَّ لَتُرْتَجَى». فسمع المشركون هذا الكلام من الرسول صلى الله عليه وسلم، وسجدوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في آخر السورة ؛ لأن آخر السورة سجد مع النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنون والمشركون والجن والإنس.
ومنهم من أنكر هذا وقال: لا يمكن أن الرسول عليه الصلاة والسلام يثني على هذه الأصنام ويقول: «تِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى» . هذا لا يمكن، وأنكروا إنكارًا عظيمًا الآثار الواردة في هذا المعنى.
ولكن عند التأمل يمكن أن نقول: إن هذا الذي سُمع من الرسول عليه الصلاة والسلام ليس هو قول الرسول، وإنما هو قول الشيطان، ألقاه فسمعه الناس فظنوا أنه قول الرسول، فقالوا: هذا أثنى على أصنامنا وعلى آلهتنا، وهو ليس كلام الرسول، ولهذا قال: أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الحج: ٥٢] فجعل هذا من فعل الشيطان. وحينئذ فلا حاجة إلى أن نبطل هذه الآثار الواردة.
ومنهم من قال: إن التمني إذا تمنى هو أمنية القلب وليست في القراءة؛ يعني أن الرسول والنبي يتمنَّى، ولكن الشيطان يفسد عليه أمنيته، ويحول بينه وبينها. وهذا ضعيف.
ومنهم من قال: إِذَا تَمَنَّىأي قرأ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِه، باعتبار من سمعوا هذه القراءة، فيلقي في قلوب أناس شكًّا وشبهة، ويلقي في قلوب الآخرين يقينًا وثباتًا، فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ [الحج: ٥٢-٥٤]. فيكون هنا الإلقاء ما يلقيه الشيطان في أيش؟ في قلب السامع من شُبهات حول القرآن، فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ.
لكن سياق الآيات يدل على أن الذي يلقيه الشيطان في أمنيته قولٌ يُسمع، فيظن أنه قرآن، ثم بعد ذلك ينسخ الله هذا القول ويبين بطلانه ويُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ. ويكون هذا القول فتنة للذين في قلوبهم مرض، وأما الذين أوتوا العلم فإنهم يعلمون أنه ليس بشيء وليس بصواب.

***

الطالب:
ومن هذا -على أحد قولي المفسرين- قوله تعالى: فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ [الأنبياء: ٨٧]، وأنه ظنٌّ عرضَ في الحال ثم زال، نظير الوساوس العارضة في أصل الإيمان التي يكرهها العبد حين ترد قلبه، ولكن إيمانه ويقينه يزيلها ويذهبها. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم عندما شكا إليه أصحابه هذه الحال التي أقلقتهم مبشِّرًا لهم: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ كَيْدَهُ إِلَى الْوَسْوَسَةِ» .
ويشبه هذه العوارض التي تعرض في إرادات الإيمان بقوة وارد من شهوة أو غضب، وأن المؤمن كامل الإيمان قد يرد في قلبه همّ وإرادة لفعل بعض المعاصي التي تنافي الإيمان الواجب، ثم يأتي برهان الإيمان وقوة ما مع العبد من الإنابة التامة فيدفع هذا العارض، ومن هذا قوله تعالى عن يوسف: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ [يوسف: ٢٤].
وهو أنه لما رجع إلى ما معه من الإيمان ومراقبة الله وخوفه ورجائه دفع عنه هذا الهم واضمحل، وصارت إرادته التامة فيما يرضي ربه. ولهذا بعد المعالجة الشديدة التي لا يصبر عليها إلا الخواص من الخلق قال صلى الله عليه وسلم: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِالآية [يوسف: ٣٣].
وكان أحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «رَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ» .

الشيخ: هذا الذي ذهب إليه الشيخ هنا هو الصواب في هذه الآية: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا [يوسف: ٢٤] يوسف؛ لأنها امرأة مدللة؛ امرأة الملك وعليها من الحُلي والثياب والجمال والبهاء ما يوجب تعلُّق النفس بها، فدعته في موضع لا يطَّلع عليهما إلا الله؛ لأنها أغلقت الأبواب ولم يبق معه إلا هذه المرأة، دعته إلى نفسها وهو شاب وفيه ما في الرجال، هَمَّتْ بِهِظاهر وَهَمَّ بِهَاأيضًا لكن منعه أنه رأى برهان ربه؛ رجع إلى نفسه ورأى ما معه من اليقين ونور الإيمان فامتنع.
وهذا لا يضر يوسف، بل لا يزيده إلا رتبة وفضلًا؛ لأنه إذا كان في هذه الحال التي وجد السبب وانتفى المانع، ثم بعد ذلك تركه لله، صار أعظم منزلة وأعلى درجة مما لو لم يكن له هَمٌّ بها؛ لأن إذا صار ما له هم بها ما يهمه، لكن إذا هَمَّ بها ثم بعد ذلك رجع وتركها لله عز وجل صار هذا أعظم. فهذا مدح وثناء ليوسف.
وأما من قال: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَاأي بضربها؛ فهذا من أفسد الأقوال، لأنه إذا كان ضربها حقًّا فإن برهان ربه لا يصرفه عنه، وإن كان باطلًا فمعنى ذلك أنها فعلت ما لا تستحق الضرب عليه، فهذا التفسير لا شك أنه باطل. وأن المعنى ما ذهب إليه شيخنا رحمه الله أن الهَمّ حقيقي.
ثم ما هذا البرهان الذى رآه؟
قال بعضهم: إنه رأى أباه يعقوب يعض يديه وأنامله يقول: لا تفعل، وهذا أيضًا باطل؛ لأن الأب لا يسمى برهانًا، ولكن البرهان ما معه من الإيمان والعلم بالله سبحانه وتعالى والخوف منه؛ هذا هو الذى منعه.
والحاصل: أن مثل هذه العوارض -كما قال شيخنا- لا تؤثِّر على الأمور الثوابت الراسخة؛ لأنها عوارض تأتي وتزول؛ قد يعرض على القلب -ولاسيما قلوب المؤمنين- شيء من الشك والجحود والكفر، ولكن كل هذا يزول مع الإيمان؛ حتى إنه يصوَّر الرجل إذا قام يصلِّي كأنما يصلِّي لأبيه أو لأخيه أو لمعلِّمه، أو ما أشبه ذلك، ولكن هذا كله يزول بالتعوّذ بالله من الشيطان الرجيم والانتهاء عنه.

***

الطالب:
وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ [الأعراف: ٢٠١]. يشمل الطائف الذي يعرض في أصل الإيمان والذي يعرض في إراداته. فإذا مسَّهم تذكروا ما يجب من يقين الإيمان ومن واجباته فأبصروا، فرجع الشيطان خاسئًا وهو حسير.
ولعلَّ من هذا قول لوط عليه السلام: أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ [هود: ٨٠]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «رَحِمَ اللهُ لُوطًا، لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ» . يعني: وهو الله القوي العزيز، لكن غلب على لوط صلى الله عليه وسلم تلك الحال الحرجة والنظر للأسباب العادية، فقال ما قال، مع علمه التام بقوة ذي العظمة والجلال.

الشيخ: واضح؟ ولوط عليه الصلاة والسلام قال: ليت لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد؛ يعني إذا قومي يمنعوني ويعصمونني ويعينوني.
قال النبي عليه الصلاة والسلام: «رَحِمَ اللهُ لُوطًا، لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ». مَنْ هو؟ الله عز وجل، لكنه في تلك الحالة الحرجة، كما قال شيخنا، غاب عنه ما سوى الأسباب الحسية، وهي القرابة والقوم الذين يحمونه ويمنعونه.
طالب: شيخ، في الآية وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىالآية [الحج: ٥٢] على الإيراد الأول التأويل الأول أنه هو ليس من كلام الرسول عليه الصلاة والسلام وإنما من كلام الشيطان ومن فعله، يعني كأن الرسول استرسل في سياق الآيات بلا ولم يقل هذه الجملة (...) من الأصل؟ «تِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى» .
الشيخ: نعم، ما قاله.
الطالب: طيب قد يقول قائل: لماذا جاءت الآية فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ [الحج: ٥٢] النسخ لابد يكون (...)؟
الشيخ: أحسنت. النسخ معناه أنه ينسيه إياه ينسيهم حتى لا يقوله أحد.
طالب: شيخ، بالنسبة يا شيخ لأبي يوسف (...) لولا أن رأى برهان ربه (...) سبحانه وتعالى منعه الهم.
الشيخ: لا، يعني لولا أن رأى برهان ربه لفعل ما هم به، هذا الهم هذا معناه (...) ولا تحسن غيره.
طالب: بعض أهل العلم يضعِّف حديث الغرانيق؟
الشيخ: نعم صح.
طالب: من (...).
الشيخ: إحنا نقول وليكن هذا ضعيفًا، لكن لا بد أن الشيطان يلقي القراءة سواء الغرانيق أو غيرها، والذين ضعفوه ظنوا أن هذا من قول الرسول عليه الصلاة والسلام، وهو ليس من قوله، بل يُلقيه الشيطان بصوت الشيطان مقلدًا لصوت النبي صلى الله عليه وسلم.
الطالب: نفس هذه القصة ابن كثير قالوا: وردت ولكن بطرق ضعيفة.
الشيخ: نعم، هي طرق ضعيفة وبعضهم أنكرها إنكارًا عظيمًا، حتى قال بعضهم في كتابٍ ألَّفه: نصب المنجنيق لنسف قصة الغرانيق مبالغة.
الطالب: أحسن الله إليك لكن صحت (...).
الشيخ: على كل حال هي لا تضر سواء صحت ولّا ما صحت، ما دام أن الله عز وجل ينسخ ما يلقي الشيطان ويُحْكم آياته ما فيه إشكال، ثم إن الآية صريحة أن الشيطان هو الذي يلقيها، ما هو بالرسول يتلوها، ما قال: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى قال في أمنيته كذا وكذا، قال: أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الحج: ٥٢].
طالب: أحسن الله إليك، هل يشتبه حديث الرسول من حديث الشيطان على الصحابة، يعني فيظنون أن هذا حديث الرسول؟
الشيخ: لا، هم يظنون أنه من القرآن، ظنوا أنه من القرآن؛ لأن الصوت الذي ألقاه الشيطان كصوت النبي صلى الله عليه وسلم، فظن الناس أن هذا من قول الرسول وقالوا (...) محمد رجع ومدح آلهتنا وأثنى عليها.
طالب: نفس كلمة غرنوق ما هي كلمة عربية (...) غرنوق ما هي كلمة عربية.
الشيخ: معربة.
الطالب: لا هذا (...).
الشيخ: لا، هذا اللي (...) حتى الإستبرق ما هي كلمة عربية، سندس وأجد كلمات غير عربية لكن العرب تكلموا بها وتسمى هذه الكلمات تسمى عند العلماء معربة.
طالب: كثير في القرآن.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: معظم أسماء الأنبياء كلها أعجمية.
الشيخ: كلها أعجمية.

***

القاعدة الخامسة والستون: قد أرشد القرآن إلى المنع من الأمر المباح إذا كان يفضي إلى ترك الواجب، أو فعل محرم
00:56:38

القاعدة الخامسة والستون
قد أرشد القرآن إلى منع الأمر المباح إذا كان يُفضِي إلى محرم أو ترك واجب

وهذه القاعدة وردت في القرآن في مواضع متعددة، وهي من قاعدة: الوسائل لها أحكام المقاصد.
الشيخ: هذه وجوهها؛ إذا كان المباح فيه محرَّم كان حرامًا، وإذا كان يفضي إلى واجب كان واجبًا. فتجري فيه الأحكام الخمسة، يقول الشيخ رحمه الله: وهذه القاعدة من قاعدة الوسائل لها أحكام المقاصد، يعني ما كان وسيلة إلى شيء فله حكم ذلك الشيء، فالوسيلة للواجب واجبة، ومثالها؟
طالب: سماع الخطبة يوم الجمعة واجب، وركعتا تحية دخول المسجد واجب، فما نقول: إن سماع الخطبة واجب يستدل بها أن الركعتين واجب..
الشيخ: سيب هذه المسألة الخلافية جيب مسألة واضحة.
طالب: الوضوء للصلاة؟
الشيخ: الوضوء للصلاة واجب، فإذا لم يمكن الوضوء إلا بشراء الماء، كان شراء الماء واجبًا. وما كان وسيلة إلى المحرم كان حرامًا.
الطالب: يمكن وعاء يستخدم للخمر، شراء وعاء للخمر محرم.
الشيخ: صح؛ لو أنَّ شخصًا جاء إلي يشتري منِّي وعاء للخمر قلنا: البيع عليه حرام.
فيه قاعدة ثانية تقول: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، أيهما أعم هي وهذه القاعدة: الوسائل لها أحكام المقاصد؟ الوسائل لها أحكام المقاصد أعم، وعلى هذا فتكون هي القاعدة المعتبرة؛ أن الوسائل لها أحكام المقاصد.

***

الطالب:
فمنها قوله تعالى: وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام: ١٠٨].
وقوله تعالى: وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ [النور: ٣١].
فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ [الأحزاب: ٣٢].
وقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجمعة: ٩].
وقد ورد بعض آيات تدل على هذا الأصل الكبير، فالأمور المباحة هي بحسب ما يُتوسَّل به إليها، إن تُوسِّل بها إلى فعل واجب أو مسنون كانت مأمورًا بها؛ وإن تُوسِّل بها إلى فعل محرم أو ترك واجب، كانت محرمة منهيًّا عنها، وإنما الأعمال بالنيات الابتدائية والغائية، والله الموفِّق.

الشيخ: الأمثلة واضحة وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام: ١٠٨]، الأصل في سب آلهة المشركين؟
طالب: الجواز.
طالب آخر: الوجوب.
الشيخ: الإباحة، بل قد يجب، فإذا كان يؤدي إلى سبِّ الله سبحانه وتعالى وهو ليس أهلًا للسب بخلاف آلهتهم كان محرمًا.
الضرب بالرجل، الأصل؟
طلبة: الإباحة.
الشيخ: الإباحة، فإذا كانت المرأة تضرب برجلها ليعلم ما تخفي من زينتها كان ذلك..